ابن قتيبة الدينوري
203
تأويل مشكل القرآن
وأستجيره فيجير ، فهلموا فلندعه . فدعوا اللّه جميعا فصرف عنهم ما كانوا يحاذرون ، وأسلموا . ومن الناس من يذهب إلى أن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، كان في تلك الحال على ضلال وحيرة . وكيف يتوهّم ذلك على من عصمه اللّه وطهّره في مستقرّه ومستودعه ؟ واللّه سبحانه يقول : إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 84 ) [ الصافات : 84 ] . أي : لم يشرك به قط ، كذلك قال المفسرون ، أو من قال منهم . ويقول في صدر الآية : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) [ الأنعام : 75 ] ثم قال على أثر ذلك : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ [ الأنعام : 76 ] . فروي : أنه رأى في الملكوت عبدا على فاحشة فدعا اللّه عليه ، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا اللّه عليه ، فقال له اللّه : ( يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي ، فإن عبدي بين خلال ثلاث : إما أن أخرج منه ذرّية طيّبة ، أو يتوب فأغفر له ، أو النار من ورائه ) . أفترى اللّه أراه الملكوت ليوقن ، فلما أيقن رأى كوكبا فقال : هذا ربي على الحقيقة والاعتقاد ؟ ! . في سورة الأنعام ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 143 ) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 143 ، 144 ] . أراد : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ [ الأنعام : 141 ] ، وأنشأ لكم وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً يعني : كبارا وصغارا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ [ الأنعام : 142 ] ، أي : لا تقفوا أثره فيما يحرّم عليكم مما لم يحرّمه اللّه ، ويحلّه لكم مما حرّمه اللّه عليكم . ثم قال : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ ، أي : كلوا مما رزقكم اللّه ثمانية أزواج . وإن شئت جعلته منصوبا بالرّدّ إلى الحمولة الفرش تبيينا لها .